الشيخ محمد هادي معرفة
228
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
والظروف . فإن قال : فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها ، أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأبصار أم هي بخلاف ذلك ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك ، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم . ثمّ ذكر قول مجاهد ، بإسناده عن الأعمش ، قال : أرانا مجاهد بيده فقال : كانوا يرون أنّ القلب في مثل هذا ، يعني الكفّ . فإذا أذنب العبد ذنبا ضمّ منه ، وقال بإصبعه الخنصر هكذا . فإذا أذنب ضمّ ، وقال بإصبع أخرى . فإذا أذنب ضمّ ، وقال بإصبع أخرى هكذا ، حتّى ضمّ أصابعه كلّها ، قال : ثمّ يطبع بطابع . قال مجاهد : وكانوا يرون أنّ ذلك الرّين . وذكر قولًا آخر لبعضهم : أنّ « الختم » هنا كناية عن تكبّرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحقّ ، كما يقال : إنّ فلانا لأصمّ عن هذا الكلام ، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهّمه تكبّرا . قال : والحقّ في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما رواه أبو هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا كان نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر ، صقل قلبه ، فإن زاد زادت حتّى يغلف قلبه ، فذلك « الران » الذي قال اللّه - جلّ ثنائه - : « كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » « 1 » . فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها ، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل اللّه عز وجل والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر منها مخلص . ثمّ أخذ في مناقشة القول الثاني ، وفصّل الكلام فيه على عادته في مناقشة الأقوال « 2 » . هذا منهجه في التفسير ، وهو من خير المناهج المعروفة في التفسير بالمأثور ، ومناقشة الآراء المتضاربة في التفسير . وحقّا أنّه طويل الباع في هذا المجال ، سواء في النقل أم في النقاش .
--> ( 1 ) - . المطفّفين 14 : 83 . ( 2 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 87 .